الطفل محمد شعبان فقد بصره ويحِن إلى وجه أمّه …

نزل محمد شعبان ذو الثمانية أعوام من السيارة عائدا من مدرسته الجديدة، ومشى يتحسس بيديه الناعمتين جدارا خشنا لزقاق يؤدي إلى باب بيته، في مدينة بيت لاهيا شمال قطاع غزة.

دخل الباب برفق، ويداه أمامه تشقان الهواء في البيت الذي لا تزيد مساحته عن تسعين مترا مربعا، ويأوي 9 أنفار، يحاول ركوب الدراجة، كما اعتاد قبل أن يفقد بصره، ليتنقل بين ثلاث غرف ليس لها أبواب، أمسكه اخوته لكي لا يرتطم بحائط، وكأنه يقودها لأول مرة.

فقد محمد بصره في قصف صاروخي استهدف مدينة جباليا مساء العاشر من مايو/ أيار الماضي وهو يشتري ملابس العيد مع أمه، ليدخل في نقطة تحول ويعيد علاقته بكل شيء حوله، كما تقول أمه سمية شعبان.

يقول محمد لمراسل “وفا”، إنه فقد أشياء كثيرة، فلم يعد يرى وجوها اعتاد عليها ولم يعد يمارس اللعب مثل ذي قبل.

“أكثر وجه اشتاق له هو وجه أمي وأبي واخوتي، أتمنى أن أراهما، واخوتي وأخواتي” قال محمد.

وأشار أنه كان يرغب أن يكون طبيبا عندما يكبر لكن بعد أن فقد بصره سيكتفي بالعمل كمدرس.

وحول طريقة حياته الجديدة زعم محمد أنه سيكمل حياته بشكل طبيعي، وسيستخدم يديه في تلمس الطريق، وأذنيه ليميز الناس من أصواتهم، لكنه قال إنه يرغب في رؤية أصدقائه في المدرسة أيضا.

وفي تحدٍ طفولي سأله ثلاثة من أبناء عمومته “من أنا”؟ فرَد عليهم بألقابهم وهو يضحك: “الكوكو” و”الخوخ”، و”الأخرس”.

وتقول أمه سمية “إن حياة محمد تغيرت بشكل كامل، فقبل أن يفقد بصره كان يدخل الحمام لوحده ويلبس ملابسه لوحده أما الآن فلا، “أرافقه في الحمام وأساعده في الملابس والحذاء”.

حتى تفاصيل حياته وألعابه تغيرت، فكان يهوى كرة القدم ويلعب مع أقاربه، أما الآن فلا فرصة لألعاب تحتاج الى الجري والتنقل من مكان لمكان.

“كنت ألعب كرة قدم، الآن لا أرى الكرة… ” قال محمد.

وحول اصابته قالت والدته سمية إنه خرج مع أمه لشراء ملابس العيد، وخلال مغادرته السوق هبط صاروخ فقتل 7 مدنيين وأصاب آخرين بجروح منهم محمد.

“حدث انفجار فلم أر سوى غبار ودخان وضاع مني محمد، عندما نهضت شاهدت جثثا ملقاة وشخصا فقد رأسه وأشلاء،” قالت سمية.

وقال والده (39 عاما) العاطل عن العمل ويعيل سبعة أطفال، إنه تلقى تليفونيا خبرا يفيد بأن ابنه بين الشهداء والجرحى فهرع للمستشفى يفتش في ثلاجة حفظ الجثث فلم يجده.

“كنت أفتش عنه من غرفة إلى غرفة وأصرخ كالمجنون إلى أن علمت أنه حي وخرج من غرفة العمليات لنقله لمستشفى العيون”.

وأضاف أن طفله فقد عينه اليسرى فور اصابته وتم نقله لمصر في محاولة لانقاذ اليمنى لكن كان الوقت قد تأخر ما أدى لتلفها. “انتقل لمصر بعد 25 يوما من الإصابة”.

وقتلت قوات الاحتلال أكثر من 250 فلسطينيا بينهم 66 طفلا خلال 11 يوما من عدوانها الواسع الذي شنته على قطاع غزة في العاشر من مايو/ أيار الماضي.

ولم تُخف سمية، والدة محمد، حيرتها في كيفية دعمه في واجباته المدرسية، فكانت تساعده في دروسه خلال دراسته في المدرسة “التقليدية” أما الآن فلا تعرف كيف ستسير الأمور.

وكان من المفترض أن يبدأ محمد دراسته في الصف الثاني الابتدائي لكنه عاد من جديد لينضم للصف الأول في مدرسة للمكفوفين تتبع لوكالة الغوث الدولية “أونروا” كما يقول والده هاني.

وأضاف هاني إنه يرافق ابنه إلى المدرسة كل يوم بسيارة خاصة وهذا مكلف يوميا، ويعمل جاهدا لتستقر أموره الادارية في المدرسة ليبحث عن جهة تتكفل به بعد احتياجاته الخاصة.

وقال نادر بشير، رئيس جمعية الخريجين المعاقين بصريا بغزة، إن حالة محمد شعبان الذي كان بصيرا ثم تحول لكفيف هي أصعب ممن وُلد كفيفا لأن الأول عاش سنوات بنظام اعتاد عليه، أما الآن فسيبدأ نسقا جديدا إضافة إلى شعوره أنه فقد أشياء كثيرة.

وأشار بشير، الذي يعمل مدرسا للغة العربية إلى أن محمد بحاجة لتأهيل ودعم نفسي قبل الالتحاق بمدرسة جديدة وتعلم لغة بريل “نظام كتابة بأحرف بارزة خاص بالمكفوفين” ولن يكون الأمر يسيرا عليه.

اقتربت ساعة زفاف أحد الشبان في الحارة وانتظر الفتية والأطفال وصول الحافلة التي ستنقلهم لصالة الأفراح، شدد محمد أن يكون أحدهم، ألبسته أمه الملابس التي يحبها وخرج برفقة والده الذي نصحه أن لا يلمس الجهة المقابلة من الزقاق بسبب سلك شائك وألواح معدنية صدئة.

جلس محمد على كرسي بلاستيكي وأخذ يلعب “ضرب الكف” احدى الألعاب الشعبية التي يضرب الأطفال أيدي بعضهم، وكانت دائما الغَلَبة لمحمد أمام ابن عمه أحمد.

“أنا أتعمد أن يغلبني لأنه فقد بصره، لا أريد أن أغلبه فيحزن، نحن نحبه،” قال أحمد ابن ال 12 عاما.

وفي تعليق على سلوك الطفل أحمد قال رئيس جمعية الخريجين المعاقين بصريا، إن هذا السلوك وإن كان طفوليا لكنه مسؤول.

“من الممكن أن ينتكس أو يتألق ويعيش كأي انسان وفقا للاهتمام والوعي من الأهل والمجتمع، هناك مسؤولية كبيرة عليهما”، قال بشير الذي يعاني من فقدان البصر أيضا.